التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نشاة الكتابة و لغة الارقام

 


تُعتبر المجتمعات الضخمة التي تؤسسها بعض الأنواع الأخرى كالنمل والنحل مجتمعات مستقرة وقادرة على التكيّف، لأن معظم المعلومات التي تحتاجها لاستمرار بقائها مشفّرة في جينومها.


فيمكن - على سبيل المثال -  أن تنمو يرقة نحلة عسل  لتكون إما ملكة أو شغالة، ويتوقف ذلك على نوعية الطعام الذي تتغذى عليه. ويبرمج جينومها السلوكيات الضرورية لكلا الدورين. يمكن اعتبار خلايا النحل بناءً اجتماعيًا معقدًا، بما تحويه من عدة أنواع من الشغالات، كالجامعات، والحاضنات، والمنظفات. غير أنه، ولحد الآن، لم يُفلح الباحثون في تحديد نحلة “محامية”، فالنحل لا يحتاج إلى محامين، لأنه لا يوجد خطر يتمثل في محاولة مخالفة دستور الخلية على عكس البشر حيث  قام البشر بانشاء القانون و التعليم و التربية و التلقين ، ذلك لأن النظام الاجتماعي للبشر هو نظام متخيّل و لا يتم   حفظ المعلومات الضرورية لهذا النظام  في جينوماتهم و لا يمكنهم نسخها وتمريرها إلى ذريتهم، بل عليهم أن يبذلوا جهدًا واعيًا للحفاظ على القوانين والعادات والإجراءات والأخلاق، وإلا سينهار النظام الاجتماعي سريعًا.


أعلن الملك حمورابي مثلًا أن الناس مقسّمون إلى سادة وعبيد وعامة. وهذا ليس تقسيمًا طبيعيًا، فلا يوجد له أثر في الجينوم البشري. ولو لم يتمكن البابليون من الحفاظ على هذه “الحقيقة” في عقولهم، لتوقف مجتمعهم عن العمل. بالمثل، فعندما مرّر حمورابي جينومه لطفله، لم يكن جينوم الطفل مشفّرًا بقانون ابية الذي يقول بأن على الرجل من السادة الذي قتل امرأة من العامة، دفع ثلاثين شيكلًا من الفضة. كان على حمورابي أن يلقّن أبناءه بعناية قوانين إمبراطوريته، وكان على أبنائه وأحفاده أن يقوموا بالشيء ذاته.


تنتج الإمبراطوريات كميات هائلة من المعلومات، وعليها أن تحفظ - إلى جانب القوانين - حسابات المعاملات والضرائب، وقوائم جرد بالإمدادات العسكرية والسفن التجارية، وتقويم الأعياد والانتصارات.


لقد خزن الناس المعلومات لملايين السنين في مكان واحد الا وهو الدماغ. ولسوء الحظ، فإن الدماغ البشري ليس جهاز تخزين مناسب لبيانات بحجم إمبراطوري. وذلك لثلاثة أسباب رئيسية:

 1. لأن سعته محدودة: صحيح أن بعض البشر يملكون ذاكرة مذهلة، وكان هناك متخصصون في الذاكرة في العهود الغابرة يستطيعون تخزين تضاريس المقاطعات وقوانين الولايات في رؤوسهم. ومع هذا، فهناك حدّ لا يستطيع حتى أصحاب الذاكرة الحديدية تخطيه. 

 2. لأن البشر يموتون، وتموت معهم أدمغتهم: فكل المعلومات المخزنة في دماغ ما ستُمحى خلال أقل من قرن. من الممكن بالطبع نقل الذاكرة من دماغ إلى آخر، لكن بعد عدة عمليات نقل، تميل المعلومات إلى التشوه والضياع.

 3. لأن الدماغ البشري تكيف لتخزين أنواع معينة فقط من المعلومات: فقد كان على الصيادين وجامعي الثمار تذكر خصائص آلاف الأنواع من النباتات والحيوانات للبقاء. كان عليهم تذكر أن الفطر الأصفر المجعد الذي ينبت في الخريف تحت شجرة الدردار سام على الأغلب، بينما الفطر الشبيه به الذي ينمو في الشتاء تحت شجرة البلوط هو علاج جيد لألم البطن.


وكان على الصيادين والجامعين أيضًا أن يتذكروا العلاقات والآراء داخل مجموعاتهم. 

وهكذا، كيفت الضغوط التطورية دماغ الإنسان لتخزين معلومات نباتية، وحيوانية، وتضاريسية، واجتماعية. لكن حين بدأت المجتمعات المعقدة في الظهور بعد الثورة الزراعية، أصبح نوع مختلف تمامًا من المعلومات هو الأهم: و هي لغة الأرقام.


لم يضطر الجامعون للتعامل مع كميات كبيرة من البيانات الحسابية. لم يكن أحدهم بحاجة لتذكر عدد ثمار الفاكهة على كل شجرة في الغابة. ولذلك، لم تتكيف أدمغة البشر لمعالجة الأرقام.


لكن لبناء مملكة ضخمة، كانت البيانات الحسابية ضرورية. و لم يكن يكفي أن تُسن القوانين وتُروى القصص عن الأرواح الحامية. كان يجب جمع الضرائب! 

ومن أجل فرض ضريبة على مئات آلاف من البشر، لم يكن هناك مناص من جمع بيانات عن مداخيل الناس وممتلكاتهم، وبيانات عن المبالغ المدفوعة، والمتأخرات، والديون، والغرامات، والتخفيضات، والإعفاءات.


أضاف هذا ملايين البيانات التي يجب الاحتفاظ بها ومعالجتها. وبدون هذه القدرة، لاستحال على الدولة إطلاقًا أن تعرف الموارد التي بحوزتها، أو الموارد الإضافية التي يمكن استغلالها.


وعندما تواجه أدمغة البشر الحاجة لحفظ كل هذه الأرقام وتذكرها ومعالجتها، فإن معظمها “يغرق في سبات”.و ساهم في اعاقة ذلك  تعقيد التجمعات البشرية. فعندما يصل عدد الناس والممتلكات في مجتمع معين إلى عتبة حرجة، يصبح من الضروري أن تُحفَظ وتعالج كميات هائلة من البيانات الحسابية. وبما أن الدماغ البشري لم يتمكن من فعل ذلك، انهار النظام.


لذا ظلت الشبكات الاجتماعية البشرية صغيرة وبسيطة نسبيًا لآلاف السنين بعد الثورة الزراعية.


تم تجاوز هذه المشكلة لأول مرة من قبل السومريين القدماء، الذين عاشوا في جنوب بلاد الرافدين. حيث هناك، ضربت أشعة الشمس الحارقة السهول الطينية الخصبة، منتجة محاصيل وفيرة ومدن مزدهرة وأعداد متزايدة من السكان. ونمت كذلك كمية المعلومات المطلوبة لتنسيق العلاقات فيما بينهم.


وفي الفترة ما بين عامي 3500 و3000 قبل الميلاد، اخترع بعض العباقرة المغمورين نظامًا لتخزين ومعالجة المعلومات خارج أدمغتهم؛ نظامًا صُمّم خصيصًا للتعامل مع الكميات الضخمة من البيانات الحسابية. وبذلك حرر السومريون نظامهم الاجتماعي من محدودات الدماغ البشري، وفتحوا الطريق لظهور المدن والممالك والإمبراطوريات.


و سُمي نظام معالجة البيانات هذا بالكتابة.


و كانت الكتابة في ذلك الوقت  هي طريقة لتخزين المعلومات بواسطة إشارات مادية. قام النظام السومري بذلك عن طريق دمج نوعين من الإشارات، تُنقش كلها على ألواح الطين بالضغط.


النوع الأول من الإشارات يمثل الأرقام، وكان مزيجًا من النظامين العشري والستيني. ومنحنا نظامهم الستيني إرثًا ما زال معنا حتى اليوم، مثل تقسيم اليوم إلى 24 ساعة، والدائرة إلى 360 درجة.


النوع الثاني من الإشارات يمثل الناس والحيوانات والسلع والأراضي والتواريخ وما إلى ذلك. ومن خلال دمج هذين النوعين من الإشارات، تمكّن السومريون من حفظ بيانات أكبر بكثير مما يمكن لدماغ بشري أن يتذكره، أو لجينوم أن يشفره.


لكن في مرحلتها الأولى، اقتصرت الكتابة على الوقائع والأرقام.

فلم تحفظ لنا رواية “سومري الأعظم” - لو وُجدت رواية أصلًا! كانت الألواح الطينية مخصصة لحفظ السجلات الضرورية فقط. حيث كانت الكتابة تستهلك وقتًا طويلًا، وكان جمهور القرّاء ضئيلًا، فلم يكن هناك دافع لاستخدامها إلا في الأمور الإدارية.


وإن تطلعنا إلى أولى كلمات الحكمة التي وصلتنا من أسلافنا قبل خمسة آلاف سنة، فسنصاب بخيبة أمل كبيرة، إذ تقول إحدى أوائل الرسائل التي تركوها لنا مثلًا:


““استلم كوشيم 29.86 مكيالًا من الشعير خلال 37 شهرًا”.


وللأسف، لا تحتوي النصوص الأولى من التاريخ على رؤى فلسفية، أو أشعار، أو أساطير، أو قوانين، ولا حتى على انتصارات ملكية. بل كانت مجرد وثائق مالية رتيبة، تسجّل مدفوعات الضرائب، وتراكمات الديون، وملكيات العقارات.


ولا يمكن لنظام كتابة جزئي أن يعبّر عن كامل الطيف الذي تمثّله اللغة المنطوقة.

وبقي نوع آخر وحيد من النصوص من تلك العصور القديمة، وهو أقل إثارة:

قوائم من الكلمات نُسخت مرارًا من قبل كتبة متدربين كتمارين.


حتى لو أراد أحد الطلاب أن يكتب بعض القصائد بدلًا من نسخ فاتورة بيع، فلم يكن بإمكانه ذلك. فالكتابة السومرية المبكرة كانت نظام كتابة جزئيً،  و ليس كليًا.


حيث ان نظام الكتابة الكلي هو نظام إشارات مادية يُمكنه تمثيل اللغة المنطوقة بشكل شبه كامل، وبالتالي التعبير عن كل شيء يمكن قوله، بما في ذلك الشعر.يمكنك استخدام نظم الكتابة الكلية لتسجيل الضرائب، وقصائد الحب، وكتب التاريخ، ووصفات الطعام، والقانون التجاري.


أما نظام الكتابة الجزئي، فهو نظام إشارات مادية يُمثّل فقط أنواعًا محددة من المعلومات، ويُستخدم في مجال نشاط معيّن.

، مثل الكتابة السومرية المبكرة، فهي تشبه الرموز الحسابية أو النوتات الموسيقية. جميعها نظم جزئية:

يمكنك باستخدام نظام كتابة حسابي إجراء حسابات، لكن لا يمكنك استخدامه لكتابة قصائد حب.


لم ينزعج السومريون من عدم ملاءمة نظام كتاباتهم للشعر،

فهم لم يخترعوا الكتابة لنسخ اللغة المنطوقة، بل للقيام بأمور لم تكن اللغة المنطوقة قادرة على القيام بها.


كانت هناك بعض الثقافات التي استخدمت، طوال تاريخها، نظم كتابة جزئية فقط، مثل حضارة الأنْدِيز ما قبل كولومبوس.

لم تهتم هذه الثقافات بمحدوديات نصوصها، ولم تشعر بالحاجة إلى نظام كتابة كامل.


اختلفت الكتابة الأنديزية كثيرًا عن نظيرتها السومرية.

في الحقيقة، كانت مختلفة لدرجة أن كثيرين يجادلون بأنها ليست كتابة على الإطلاق.


لم تُكتب على ألواح طينية أو ورق، بل كانت تُكتب عبر ربط عُقَدٍ على حبال رفيعة وملونة، سُميت بـ**“كويبو”**.


ظلّ الكويبو أساسيًا لعدة قرون في إدارة شؤون المدن والممالك والإمبراطوريات في الأنديز.

وبفضل قدرته الهائلة على تخزين البيانات، استطاع شعب الإنكا—الذي حكم بين 10 إلى 20 مليون نسمة،—الاحتفاظ بكميات هائلة من البيانات ومعالجتها. وامتدت إمبراطوريته عبر ما يُعرف اليوم ببيرو، والإكوادور، وبوليفيا، وأجزاء من تشيلي، والأرجنتين، وكولومبيا


بدون الكويبو، لم يكن بالإمكان إدارة هذه الإمبراطورية.

لقد كان فعالًا ودقيقًا إلى درجة أن الإسبان أنفسهم استخدموه في السنوات الأولى بعد غزوهم لأمريكا الجنوبية، لإدارة شؤون إمبراطوريتهم الجديدة. و لكن ضاع بعد اعتمادهم على الكتابة اللاتينية  و التي اعتمدوها بدلا من الكويبو خوفا من استغلال  الانديز ضعفهم في فهم هذه الكتابة 


.




ثم بدأ سكان ما بين النهرين يشعرون في وقت لاحق بالحاجة لتدوين أنواع أخرى من البيانات غير البيانات الحسابية الرتيبة.

فأُضيفت المزيد من الإشارات إلى نظام الكتابة السومري، وفي الفترة ما بين 3000 و2500 قبل الميلاد، تم تطويره تدريجيًا ليُصبح نظام كتابة كليًا، نُطلق عليه اليوم الكتابة المسمارية.


وبحلول سنة 2500 قبل الميلاد:

 • استخدم الملوك الكتابة المسمارية لإصدار المراسيم.

 • واستخدمها رجال الدين لتسجيل النبوءات.

 • أما المواطنون الأقل شأنًا، فاستعملوها لكتابة الرسائل الشخصية.


وفي الوقت نفسه تقريبًا، طور المصريون نظام كتابة كليًا آخر هو الكتابة الهيروغليفية.


ثم طُوّر نظام كتابة كلي آخر في الصين حوالي سنة 2200 قبل الميلاد،

وفي أمريكا الوسطى بين 500 إلى 1000 قبل الميلاد





انتشرت نظم الكتابة الكلية من تلك المراكز الأولى، وعلى نطاق واسع، متخذة أشكالًا متعددة، ومهام جديدة.

بدأ الناس بكتابة الشعر، وكتب التاريخ، وقصص الحب، والدراما، والنبوءات، وكتب الطبخ.

لكن، ظلّ أهم عمل للكتابة هو الاحتفاظ برزم البيانات الحسابية.

وتلك المهمة ظلت امتيازًا لنُظُم الكتابة الجزئية.


بدأت كل من التوراة العبرية، والإلياذة اليونانية، والمهابهارتا الهندوسية، والتيبيتيك البوذية، كأعمال شفهية.

حيث نُقلت شفهيًّا لعدة أجيال، وعاشت حتى قبل أن تُخترَع الكتابة.

بينما سجلات الضرائب، والبيروقراطيات المعقدة، وُلِدت مع ظهور نظام الكتابة الجزئية.

ويبقى الاثنان مرتبطَين بشكل لا يفصل، كتوأم.






و بمرور القرون، ازداد الفرق بين الطريقة التي تعالج بها البيروقراطيات البيانات، والطريقة التي يفكر بها البشر طبيعيًا. ومع الزمن، أصبحت هذه النظم البيروقراطية أكثر أهمية، حتى وقعت خطوة حاسمة في فترة ما قبل القرن التاسع الميلادي، وهي اختراع نظام كتابة جزئي جديد قادر على تخزين ومعالجة البيانات الرياضية بكفاءة غير مسبوقة.


هذا النظام يتكوّن من عشر إشارات تُمثّل الأعداد من صفر إلى تسعة، ويُعرف اليوم بـ”الأرقام العربية”.

لكن هذه التسمية مربكة بعض الشيء، لأن هذه الأرقام في الأصل اخترعها الهنود. أما العرب، فقد اكتشفوها أثناء غزوهم للهند، فأُعجبوا بها، وطوروها، ثم نشروا النظام في أنحاء الشرق الأوسط، ولاحقًا في أوروبا.


الغريب أن العرب المعاصرين اليوم يستخدمون مجموعة أرقام مختلفة تمامًا عن تلك التي يُسميها الغرب “أرقامًا عربية”!

ومع إضافة رموز مثل الجمع والطرح والضرب، بدأ يظهر ما نعرفه اليوم بأسس التدوين الرياضي الحديث.


ورغم أن هذا النظام لا يزال يُعدّ نظامًا جزئيًا (لأنه لا يُعبّر عن اللغة المنطوقة)، إلا أنه أصبح اللغة المهيمنة عالميًا.

تستخدمه الدول والشركات والمنظمات في جميع أنحاء العالم، مهما اختلفت لغاتهم: عربية، هندية، إنجليزية، أو نرويجية.

كل معلومة يمكن تحويلها إلى لغة الأرقام، و تُخزَّن وتُعالَج بكفاءة مذهلة.


لهذا السبب، من أراد التأثير في قرارات الحكومات أو الشركات، عليه أن يتعلم لغة الأرقام.

يحاول الخبراء دائمًا ترجمة المفاهيم المعقدة مثل الفقر، والسعادة، والثقة، إلى أرقام ومؤشرات.

فنسمع عن “خط الفقر”، أو “مستويات الرفاهية الشخصية”، أو “معادلة الثقة”.

أما مجالات مثل الفيزياء والهندسة، فقد انقطعت تقريبًا عن اللغة المنطوقة، وأصبحت تتعامل مع الواقع من خلال النظام الرياضي فقط




اخيرا 

ولدت الكتابة لتكون خادمة للوعي البشري، لكنها أمست تدريجيا سيدته. واجهت حواسيبنا مشكلة في فهم كيف يتحدث الإنسان العاقل وكيف يشعر ويحلم. لذا نعلم الإنسان العاقل  الان كيف يتكلم ويشعر ويحلم بلغة الأرقام التي يمكن فهمها من قبل الحواسيب. أخيراً قد تتجاوز الحواسيب البشر في مجال الذكاء و التواصل الذي جعل من الإنسان العاقل حاكم العالم.

 فالعملية التي ابتدأت في وادي الفرات  قبل خمسمائة سنة حين حول نوابغ السومريين معالجة البيانات من العقل البشري إلى ألواح طينية ستبلغ أوجها في وادي السيليكون بانتصار الأجهزة اللوحية. وقد يكون البشر حينها موجودين لكنهم لن يتمكنوا من فهم العالم. فالحاكم الجديد للعالم سيكون صفاً من الأصفار والأحاد.


في الحلقة القادمة من كتاب العاقل  سنفتح نافذة على التاريخ لنفهم كيف تشكلت الثقافة البشرية عبر العصور 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العاقل /سبب اختفاء البشر الاخرين

في هذه الحلقة من سلسلة كتاب العاقل ، سنطرح التساؤلات حول سبب اختفاء البشر الآخرين، وكيف أصبحنا النوع الوحيد المتبقي على هذا الكوكب! يقول الكاتب: قبل 150,000 سنة، كان نوع الإنسان العاقل، الذي كان يبدو مثلنا تمامًا، والذي لو ظهر في مشرحة حديثة فإن متخصصًا في علم الأمراض لن يلحظ شيئًا غريبًا يميزه، موجودًا بالفعل على مسرح العالم، لكنه كان منشغلًا حتى ذلك الوقت بتدبير أموره في زاوية بأفريقيا. رغم ميزات النار، إلا أن البشر في ذلك الحين كانوا ما يزالون كائنات هامشية. وإن أحصينا جميع أنواع البشر مجتمعة، فإن تعدادهم لم يكن يتجاوز مليون نسمة يعيشون بين أرخبيل إندونيسيا وشبه جزيرة إيبيريا، مجرد نقطة ضوء على شاشة الرادار البيئي. وقبل 70,000 سنة تقريبًا، انتشر العقلاء من شرق أفريقيا إلى شبه الجزيرة العربية، ومن هناك اجتاحوا سريعًا الكتلة القارية الأوراسية. ويبقى السؤال الآن: ما سبب اختفاء البشر الآخرين؟ وما الذي حدث لهم؟ هل كان الإنسان العاقل أكثر ذكاءً وقدرة على التكيف، مما جعله يتفوق عليهم في سباق البقاء؟ أم أن الأمر لم يكن مجرد تفوق، بل حدث تزاوج بيننا وبينهم، مما جعلهم يندمجون معنا تدريجيًا؟ ه...

كتاب العاقل /الخيال

  في هذه الحلقة سياخذنا الكاتب في رحلة لفهم كيف ساهمت الانظمة المتخيلة في لناء الحضارات و تعزيز التعاون بي البشر  لم تكن الميزة المتفردة للغة الإنسان العاقل  فقط قدرتها على نقل المعلومات عن الأشخاص أو الأسود أو الطرائد، بل في قدرتها على نقل المعلومات عن أشياء غير موجودة على الإطلاق. ومع الثورة الذهنية، ظهرت الأساطيرو الخرافات لأول مرة. مثال على ذلك  ✅ العديد من الحيوانات والأنواع البشرية السابقة كان بإمكانها تحذير بعضها بعبارات مثل: “احذر، هناك أسد!”. ✅ لكن الإنسان العاقل استطاع أن يقول:  “الأسد هو الروح الحارسة لقبيلتنا!” و جميعنا نتفق  على أن الإنسان العاقل وحده هو من يستطيع الحديث عن أشياء غير موجودة و عن كيانات لم يشاهدها او يلمسها او يشمها ابدا ، وأن يؤمن بأفكار مستحيلة تمامًا، كما قالت أليس في بلاد العجائب: “قبل الإفطار، يمكنني أن أؤمن بستة أشياء مستحيلة يقول الكتاب انه قد يبدو الخيال مجرد وسيلة للتضليل والإلهاء،  حيث لا يمكنك إقناع قرد بأن يعطيك موزة مقابل كمية ضخمة من الموز بعد الموت في “جنة القردة”!  وقد ترى ان  فرص البقاء لانسان...

كتاب العاقل ( فخ الرفاهية ) اكبر خديعة في التاريخ البشري ( الثورة الزراعية )

  اليوم نفتح صفحة جديدة في كتاب العاقل و نلقي نظرة على اهم التحولات في تاريخ البشرية و هي الثورة الزراعية و التي نعتقد جميعا انها كانت خطوة طبيعية نحو التقدم و لكن على حسب راي الكاتب انها كانت فخ الرفاهية فقد تحولت الزراعة من وسيلة لعيش افضل الى عبء جعل الانسان يعمل اكثر و يتعب اكثر و يخضع لنظام اجتماعي اكثر تعقيدا و ظلما  أعلن الباحثون مرة بأن الثورة الزراعية كانت بمثابة قفزة تقدمية عظيمة للبشرية. ورووا حكاية عن تقدم تدعمه قوة العقل البشري، وثورة أنتجت تدريجيا أناس أذكى. ففي نهاية المطاف أصبح الناس أذكياء جدا إلى درجة أنهم استطاعوا فك الغاز الطبيعية التي مكنتهم من التحكم بالحيوانات  وزراعة القمح وحالما حدث هذا هجروا بابتهاج الحياة المنهكة والخطيرة والقاسية للصيادين الجامعين واستقروا مستمتعين بحياة الفلاحين الممتعة والمرضية.  لكنها في الحقيقة لم تكن سوى حكاية خيالية،  فليس هناك دليل على ان البشر اصبحوا أذكى بمرور الوقت، حيث انه  عرف الصيادون الجامعون أسرار الطبيعة قبل الثورة الزراعية بوقت طويل لان بقائهم  كان يعتمد على المعرفة العميقة و  الوثيقة ب...